اسمه ونسبه
هو محمد بن فضيل بن علي بن محمد الموساوي، أبومسلم، الجزائريُّ ثم التلمسانيُّ، كذا كتب نسبه بيده، وكتبه في موضع آخر: «محمد بن فضيل بن بنعلي الموسوي التلمساني». وكُنيته أبومسلم، بها ناداه شيخه ولد عدّود، وبها عُرف بين الناس. وكان يأبى أن يُلقَّب بالشيخ، ويقول: «لست شيخا»، و«أنا طويلب علم».
وينتسب إلى آل البيت؛ كتب «الحسني» في نسبه، وذكر في آخر عمره أن نسب أجداده يتصل بالأئمة من ذرية الحسين رضي الله عنه، وكان يذكر الأمير عبد القادر في أجداده.
مولده ونشأته
وُلد في وهران يوم 19 يونيو 1977، ونشأ فيها، وتربّى في المسجد على ما كان عليه شباب جيله، قال: «تربيت في المسجد وكنا لا نرى العلم إلا تيميا ولا المنهج إلا سلفيا». ودرس في ثانوية العقيد لطفي ثم في جامعة العلوم والتكنولوجيا بوهران سنتين في تخصّص تقني، وكان يحبّ الرياضيات كثيرا، ثم عزم على ترك ذلك والتوجّه إلى العلوم الشرعية.
وكان والده يدعو له منذ أراد الرحيل إلى موريتانيا: «تدخل إلى النار وتخرج منها سالما»، قال: «والحمد لله من ذلك الزمان أدخل إلى النار وأخرج منها سالما».
الرحلة إلى بلاد شنقيط
جمع شيئا من المال لرحلته بورشة لصناعة الأحذية فتحها، ودرس شهرا واحدا في معهد الحضارة الإسلامية بوهران، ثم رحل إلى بلاد شنقيط أواخر سنة 1998. وكان قد طلب القبول في الجامعة الإسلامية بالمدينة فلم يُقبل لأن تخصّصه تقني، ثم قُبل في المعهد السعودي بنواكشوط على أن يبدأ الدراسة في الموسم القابل، فتوجّه إلى محضرة تنجغماجك وبقي فيها أشهرا قليلة.
وكان الطلبة يجتمعون يوم العطلة يستمعون إلى أشرطة الشيخ محمد سالم ولد عدّود، فقال: «لن أستمع إلى أشرطة الشيخ وأنا وهو في بلد واحد»، ورحل إلى محضرة أمّ القرى، فدرس أوّلا على الشيخ محمد يحيى ولد عبد الودود رحمه الله، الأخ الأكبر للشيخ محمد سالم، ثم لزم الشيخ محمد سالم ولد عدّود رحمه الله حين نزل قريبا من المحضرة. قال: «ومن أول جلسة عزمت أن أبقى معه إلى أن أختم كل ما عنده»، وقال فيه: «فهو العالم النحرير الذي تجد عنده جوابا عن كل سؤال يخطر ببالك وهو الوالد الحنون والصاحب الناصح الأمين».
قرأ عليه في النحو متدرّجا: الآجرومية، ثم قطر الندى، ثم الكافية الشافية، ثم التسهيل لابن مالك، وكان الشيخ يقول له في كل مرحلة يطلب فيها الاستزادة: «هذه مقدمة»، «هذا قطر ندى وفقط»، قال: «ولما درست عليه التسهيل كان يجلس ويفيض ويقول سأعطيك ما لا تجده في الكتب». وفي مجلس الخيمة في العزيب قال له الشيخ: «أبا مسلم إياك والمجففين، أرجو من الله أن تعيد لنا عهد ابن مالك وابن تيمية». وقرأ عليه العقيدة، وجزءا من جمع الجوامع.
وأُصيب بالسكّري في تلك السنوات، فقطعه المرض عن ملازمة شيخه، قال: «ولست آسف على شيء عالجته في حياتي سوى ابتلائي بالسكري الذي حرمني من مجالستي له». وعُرض عليه بعد سنتين عند الشيخ أن ينتقل إلى الرياض لدراسة الماجستير في جامعة الإمام، فأبى، وقال: «ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غيرت ولا بدلت».
السنغال والحجاز (2001)
رحل سنة 2001 من موريتانيا إلى السنغال ليدرس على الشيخ محمد أحمد لوح، فدرس عليه أشهرا «المجاز والعقل والنقل ودلالة الألفاظ»، وأقام دورة علمية في مدينة امباكي. وكان الشيخ لوح يقول له: «لا تعتقد حتى تستدل»، فبحث المسائل بدقّة.
وفي السنة نفسها توجّه إلى المملكة العربية السعودية مع صاحبه في الطلب الشيخ أمين بورزق، وتقدّما إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة، فقُبل صاحبه وردّ ملفّه لمرضه. فلازم حِلَق الحرم المدني، ودرّس من جاءه من الطلبة، وقرأ «لمعة الاعتقاد» على الشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل، وجالس جماعة من المشايخ ودرس عليهم، ثم كانت تلك المجالس سببا في مراجعته لما كان عليه، قال: «هذا السبب المباشر الذي جعلني أراجع كل فكر لي».
العودة إلى الجزائر ثم الرحلة برًّا إلى شيخه (2002)
رجع إلى الجزائر سنة 2002، فلقي من التضييق والتشهير ما ضاق به، فأشار عليه بعض مشايخه بالهجرة، فخرج برًّا مع أحد طلابه: من أدرار إلى برج باجي مختار، ومنها مع مهرّبي المواشي إلى باماكو، ثم إلى باسكنو في شرق موريتانيا، حتى وصل إلى بيت الشيخ ولد عدّود، قال: «دامت الرحلة 14 يوما عندما وصلنا إلى بيت الشيخ». فدرس عنده جزءا من جمع الجوامع، وصبر على شدّة العيش، قال: «وكنت لا أجد حتى مال دواء السكري».
الأردن والمغرب (2003–2004)
لازم في الأردن سنة 2003 الشيخ محمد إبراهيم شقرة رحمه الله، قال: «كنت ملازما للشيخ محمد إبراهيم شقرة رحمه الله وكان يحبني وأقضي معه اليوم كاملا في مذاكرة العلم أو التعرف على خبرته في العلم والدعوة»، وتواعدا على تأليف كتاب مشترك في العقيدة يسمّيانه «ما قدروا الله حق قدره»، فحال دون ذلك خروجه من الأردن، قال: «ولكن شاء الله أن أخرج بسبب المضايقات الأمنية».
ثم دخل المغرب برًّا سنة 2004 من موريتانيا، ولقي الشيخ عبد الله بن عبد القادر التليدي رحمه الله، فقرأ عليه الحديث المسلسل بالأوّلية ثم صحيح البخاري، وأوكل إليه الشيخ تدريس الألفية لطلبته. وبقي عنده أشهرا، ولقي من الشدّة في الرباط بعدها ما لقي. وأفاد في المغرب من الشيخ أُبيّ بن الصدّيق الغماري، وقال عنه: «استفدت منه ما لم أستفد من غيره».
الخليج وإيران والشام (نحو 2004–2011)
أقام في الإمارات سنوات، وكان إماما فيها، ودرّس، وتزوّج سنة 2006. وزار البحرين حين كان الشيخ محمد الحسن ولد الددو يقيم فيها دورة علمية، فلقيه لقاء خاصّا، وعرض عليه مسائل الصفات والقدر، قال: «كان لقاء ماتعا غير لي مجرى حياتي».
وأُخرج من الإمارات سنة 2009، وقال في سبب ذلك: «بسبب لساني طبعا»، فنزل جزيرة كيش، وبقي فيها ستة أشهر ناقش فيها بعض علمائهم في أصول التلقّي وتعلّم المذهب الشيعي على أصوله، ودرّس جماعة من اليمنيين الألفية ومنظومة شيخه «جملة عقائد السلف». ثم رحل إلى سورية، وبدأ فيها التدريس في الجامعة، وكان مقيما بها سنة 2011.
السنوات الأخيرة: تلمسان وتركيا
استقرّ بتلمسان، فدرّس في دار الحديث بها سنتي 2014 و2015 متن ابن عاشر، وتقريب الوصول لابن جزي، وأصول التلقي عند المالكية، والموافقات للشاطبي، وعلوم اللغة والمنطق، «على الطريقة الموريتانية»، وكان يمتحن طلابه ويجيز من بلغ ثمانين في المائة. ثم درّس سنة 2018 في مركز جمعية العلماء المسلمين بتلمسان النحو والصرف والبيان والمعاني والمنطق والأصول والحديث والعقيدة، ثم في بيته لمّا اشتدّ عليه المرض.
وفي تركيا وُشي به أنه «إرهابي من القاعدة» فاعتُقل وسُجن وهو مريض، ثم عاد إليها، فأتمّ في إسطنبول شرح منظومة شيخه «جملة عقائد السلف»، وزاره فيها الشيخ الددو. ورجع إلى تلمسان في أغسطس 2019.
وقال يختصر رحلته: «وقد أكرمني جمع من المشايخ من طوائف مختلفة يعدون بالمئات في رحلة دامت 23 سنة».
شيوخه
قال: «في حياتي العلمية تأثرت بخمس»، وعدّهم: الشيخ محمد سالم ولد عدّود، والشيخ محمد الحسن ولد الددو، والشيخ عبد الله بن عبد القادر التليدي، والشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل، والشيخ أُبيّ بن الصدّيق الغماري. وذكر ممن تأثّر بأخلاقه الشيخ محمد إبراهيم شقرة، وقال: «وما رأيت أحدا يتقن المنطق والفلسفة الوجودية مثل الشيخ قاسم آخوند». ومن شيوخه أيضا: الشيخ محمد يحيى ولد عبد الودود، والشيخ محمد أحمد لوح، والشيخ أحمدو ولد مرابط.
وكان يقدّم شيخه ولد عدّود على الجميع، فقال فيه: «شيخي الألمعي الذي فتح أعيننا على الخير وقوّم الأفهام وصوب نظرنا»، ويقول في الددو: «العلامة الموسوعي المدقق الذي بهرنا بالضبط والفهم ووسّع آفاق التفكير»، وفي التليدي: «قد أفدت منه النظر المعتدل إلى من أخالفه».
منهجه في العلم
كان يقدّم علوم الآلة، ويقول للطلاب: «وليتوسعوا في علوم الآلة لأنها أداة فهم الكتاب والسنة». وكان من منهجه أن يرحل إلى أعلم من يخالفه، قال: «اتخذت منهجا في حياتي العلمية ولم أحد عنه وأدعو إليه وهو عدم السماع من المخالف ممن يخالفه بل أنتقي أعلمهم وأسافر إليه وأسمع له فأعرف وجهة نظره وأعذره إن كنت باقيا على خلافه». وقال عن نفسه: «فقد آثرت الاشتغال بالكتب المقررة من متون العلم ودراستها على المشايخ».
وكان في المعتقد على طريقة التفويض في المتشابه من الصفات، وذكر أنه انتهى إليها بالبحث، قال: «توالت الأيام والأشهر والسنون بحثا حتى اطمأن قلبي إلى اعتقاد التفويض مذهب السلف». وكان في الفقه مالكيّا، يرى «العمل بالمذهب لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد»، ويقول عن نفسه: «الحمد لله الذي جعلني وقافا عند النص القرآني: (هو سماكم المسلمين من قبل) ولا أزيد».
آثاره
- «علم التصورات النحوية»، قال فيه: «كتابي قرة عيني»، نشر منه 42 صفحة ودروسا مرئية في شرحه.
- شرح منظومة «جملة عقائد السلف» لشيخه ولد عدّود، أتمّه في إسطنبول.
- شرح العقيدة الطحاوية، دروسا متتابعة.
- «سلسلة الرد على الحشوية والمجسمة».
- «ملاحم وفتن آخر الزمان»، و«الحكم على مطلق الأخبار»، وشرح الورقات.
- موقعه «aledar.com» الذي أُنشئ سنة 2014 ثم أُغلق، وأُحيي بعد وفاته باسم aledaar.com.
وكان يعتزم كتابة رحلته في طلب العلم، طلبها منه الشيخ أُبيّ الغماري، فكتب منها فصولا في آخر عمره.
من كلامه
وهذه بعض أقواله في منهجه، وفي التوكل والرزق، وفي طريق الطلب، وفي البلاء والمرض.
في نفسه ومنهجه
- «أنا مسلم وفقط وقد رضيت بتوصيف ربي لي بهذا الوصف. وأما ما يحكمني هو العلم وأدور معه حيث دار»
- «لم أطلب من أحد لقب مدح ولا يهزني من مدح أو ذم»
- وقال لمّا سُئل عن ترجمته: «ونصيحتي لا ترفعوا أي أحد فوق مقامه»
- «نصحني أفاضل: اسكت تسلم لك دنياك، فكان جوابي: لو تكلم الأفاضل لسكتُّ أنا. والتذكير بالحق حياته، فلو سكت الكل مات الحق وأُنسي»
- «ولو كنت مقلدا أحدا فيما أكتب لقلدت أشياخي ولست فاعلا، لأنني تعلمت منهم (استدل ثم اعتقد)»
- «من أكبر النعم التي توجب الشكر نعمة الصاحب، وقد منّ الله عليّ في حياتي بمجموعة منهم في العديد من البلاد، فلك ربي الحمد»
في التوكل والرزق
- «كنا في أيام الطلب لا نجد قوت يومنا ولا بيتا نأوي إليه، وكنا سعداء مرتاحين لا نفكر في غد مطلقا، والآن وقد ضمنّا قوت عامنا وأغرق علينا ربنا من فضله كثر همّنا وغمّنا وشغلنا غدنا»
- «يا طالب العلم خذها نصيحة: اطلب العلم لله وسيتبعك رزقك رغما عنه، فإن طلبت العلم للرزق فلن تحصّل العلم ولن تأخذ من رزقك أكثر مما كتبه الله لك»
- «ليس الرزق بالتكسب بل بحسن الظن بالله، وستُمتحن فيها حتى تسلّم»
- «من تعلّق بالناس أوكله الله إليهم ولن يكون له إلا ما قد كُتب له، ومن تعلّق بالله سخّر الله له الناس وبارك الله له فيما رزقه»
- وقال بعد مجلس مع الشيخ يحيى اليحيى في باب الإحسان: «أحسست بضيق لأنني مفرط في الباب، فقد اتخذت الأسباب بيقين أكبر من اليقين برب الأسباب»
- وختم قصة دخوله دمشق سنة 2009 وليس في جيبه إلا عشرة دراهم بقوله: «ربك كريم فلا تجزع من الرزق»
في طريق الطلب
- «طريق الرحلة في طلب العلم كلها جوع وفقر وسجون ومخابرات وضيم وظلم، وكل هذا تأديب من الله، والحمد لله»
- «لم يكن طلبي للعلم زيارات للمشايخ كما يتصوره البعض وراسلني بها، بل كانت رحلة 23 سنة، ولو يرزقني ربي الصحة لأتممتها إلى الممات»
- «مات شيخي محمد سالم بن عبد الودود ومات شيخي عبد الله التليدي ومات شيخي محمد شقرة وبقي ذكرهم، ومات قلبي قبلهم جميعا وأنا حيٌّ أُرزق»
في البلاء والمرض
- «في الابتلاء ظاهر وباطن: أما الظاهر فعذاب ومشقة، وأما باطنه فراحة وأنس بالله»
- «البلاء سنة ماضية في الأنبياء والأولياء، يُعصرون عصرا، ويَصبرون صبرا، ليُرفعوا رفعا»
- «عندما تعالج ساعة الحقيقة بأن تعيش الموت ثم يعطيك ربك فرصة أخرى يُهين في قلبك كل معظَّم إلا ربك»
- «نحمد الله على نعمة البلاء قبل الموت لما فيها من ذكرى واستحضار له، ونعوذ بالله من صحة تورث موتة غفلة»
- «أنتظر بشوق جنان ربي حيث لا مجال للكدر، فلا مرض ولا سقم ولا حاجة ولا فقر ولا امتحان ولا بلاء، ونأنس بالله ربنا ونجاور سيدنا محمد»
- وكتب قبل وفاته بسبعة أسابيع: «دنيا مع مرض شديد وضيق غير مأسوف عليها، وإنما صبرنا فيها ابتغاء رضوان ربي، لا تحرمني أجرها رباه»
مرضه ووفاته
لازمه السكّري نحو عشرين سنة، ثم أصابه الفشل الكلوي سنة 2019، فكان يغسل الكلى ثلاث مرات في الأسبوع، وأصيب بنزيف في شبكية العين. وقال في رمضان 1441: «مضى رمضان بلا صيام ولا قيام للمرض». ودخل في غيبوبة نحو 27 يونيو 2020، وتوفي رحمه الله بتلمسان يوم 3 يوليو 2020، ودُفن في مقبرة أوزيدان.
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خيرا.